القائمة الرئيسيه
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
احصائيات
عدد الاقسام : 42
عدد المواد : 1311
عدد الاعضاء : 74
الاستطلاع
تنوير البصائر بقضية التماس العلم عند الأكابر


" تنوير البصائر بقضية التماس العلم عند الأكابر "

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :
فإن العلم له طرائق وأبواب ، وله مسالك وآداب ، من سلكها نجح ، ومن تمسك بها ربح ، ومن جملة الآداب : أخذ العلم من منبعه ، والتماسه من مورده ، وقد سطر أهل العلم حول طلب العلم من أهله إفادات لطيفة ، وحرروا كتابات بديعة ، ولكن لما ظهرت بعض المجازفات من ذوي الحماسات حول هذا الموضوع وما فيه من التأصيلات ، أحببت أن أذّكر إخواني وأخواتي - وفقهم الله - بكلام أهل العلم فيه على وجه الاختصار ، منتقيا منه أعذب الثمار ؛ راجيا ثواب الملك الغفار.

الوقفة الأولى : التماس العلم عند الأكابر سنة متبعة.
لا خلاف بين المتقدمين والمتأخرين أن الأصل في طلب العلم أخذه عن الأكابر ؛ وهذا ما دلت عليه النصوص الشرعية ، وجاءت فيه تقريرات العلماء الزكية ، قال صلى الله عليه وسلم : " البركة مع أكابركم " رواه ابن حبان وصححه الألباني ، وقال صلى الله عليه وسلم : " إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر " رواه الطبراني وحسنه الألباني ، وهذا تقرير نبوي عظيم في أن العلم يؤخذ من الأكابر ، فقد أخبر من باب النذارة أن الناس في آخر الزمان يأخذون العلم عن الأصاغر ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأكابرهم ، فإذا أتاهم من قبل أصاغرهم هلكوا " رواه الطبراني وصححه الألباني ، قال ابن قتيبة رحمه الله شارحا أثر ابن مسعود رضي الله عنه : " يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ولم يكن علماؤهم الأحداث " الفقيه والمتفقه م ٢ ص ١٥٦.

الوقفة الثانية : أسباب التماس العلم عند الأكابر.
طلب العلم وأخذه من الأكابر دون الأصاغر يرجع إلى عدة أسباب ؛ منها أن الأكابر لديهم الرسوخ والتمكن في العلم ، ومنها حكمتهم واعتدالهم وعدم طيشهم بخلاف الأصاغر ، ومنها الخبرة والتجارب التي استفادوها في حياتهم ومسيرتهم العلمية ، وغيرها من الأسباب ، وقد جمعها ابن قتيبة رحمه الله في سياق متين ، وعرض رصين ، فقال : " لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه ، واستصحب التجربة والخبرة ، فلا يدخل في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطبع ، ولا يستذله الشيطان استذلال الحدث ، ومع السن الوقار والجلالة والهيبة ، والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ ، فإذا دخلت عليه وأفتى ، هلك وأهلك " الفقيه والمتفقه م ٢ ص ١٥٦.

الوقفة الثالثة : تحرير معنى الأصاغر.
حذر العلماء من التماس العلم عند الأصاغر ، ولكن لا بد من معرفة معنى الأصاغر ، وجماع أقوال العلماء يرجع إلى معنيين هما :

الأول : هم أهل البدع والأهواء ، وإليه ذهب ابن المبارك ووافقه الشاطبي رحمهما الله ، قال الشاطبي : " فقال ابن المبارك : هم أهل البدع ، وهو موافق ، لأن أهل البدع أصاغر في العلم ، ولأجل ذلك صاروا أهل بدع ... " الاعتصام م ٢ ص ٢٨١.

الثاني : من ليس لديه علم من المتعالمين والمغرورين والمتطفلين ؛ الذين لا يعرفون أبجديات العلوم ، ويتشبعون بما لم يعطوا ، قال ابن عبدالبر : " إن الصغير المذكور إنما يراد به الذي يُستفتى ولا علم عنده " جامع بيان العلم م ١ ص ٣١٤.

الوقفة الرابعة : الكبير هو العالم في أي سن كان.
إن صغر السن ليس مانعا من النبوغ والعلم والتميز ، فقد يكون الشخص صغيرا في السن كبيرا في العلم ، ويمتلك التأصيل ، مع لزوم السنة ، مما يؤهله للتدريس والتأليف وأخذ العلم عنه ، قال الحربي رحمه الله : " إن الصغير إذا أخذ بقول رسول الله والصحابة والتابعين فهو كبير " شرح أصول اعتقاد أهل السنة م ٢ ص ٨٥ ، وقال ابن عبدالبر رحمه الله ناقلا عن بعض أهل العلم  : " إن الكبير هو العالم في أي سن كان ، وقالوا : الجاهل صغير وإن كان شيخا ، والعالم كبير وإن كان حدثا ، واستشهدوا بقول الأول :

تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل

واستشهدوا بأن عبدالله بن عباس كان يُستفتى وهو صغير ، وأن معاذ بن جبل وعتاب بن أسيد كانا يفتيان الناس وهما صغيرا السن ، وولاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم الولايات مع صغر سنهما ، ومثل هذا في العلماء كثير " جامع بيان العلم م ١ ص ٣١٤.

قلت : صدق رحمه الله فهم كثير عبر التاريخ لمن تأمل ، وكتب التراجم تزخر بهم كأمثال الشافعي والبخاري وابن عبدالهادي ، ومن بعدهم الحازمي وسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب والحكمي و عبدالسلام بن برجس وغيرهم ممن صنف وألف ودرس في بواكير سنهم رحمهم الله جميعا وغفر لهم وجمعنا بهم في جنان الخلد ، ولو جُمع العلماء الذين لم يتجاوزوا سن الأشد لبلغت مجلدة كاملة ، ومن ذلك أبواب اللطائف في الحديث ، كرواية الأكابر عن الأصاغر ، والآباء عن الأبناء ، وقد عقد ابن مفلح الحنبلي في كتاب الآداب فصلا بديعا بعنوان " أخذ العلم عن أهله وإن كانوا صغار السن " وذكر تحته آثارا جميلة ؛ كقول الفاروق رضي الله عنه : " إن العلم ليس عن حداثة السن ولا قدمه ولكن الله يعطيه من يشاء " ، وقول ابن عيينة رحمه الله : " الغلام أستاذ إذا كان ثقة " انظر م ٢ ص ٢١٤ ، وفي تاريخ الإسلام للذهبي م ١٦ ص ٧٢حينما ترجم لأبي إسحاق الرازي قال : " أبوإسحاق التميمي الرازي الحافظ الفراء المعروف بالصغير ، وكان الإمام أحمد يكره هذا ويقول : هو كبير في العلم والجلالة ".

الوقفة الخامسة : الحذر من دخول الهوى والتشهي.
من المؤسف أن تدخل صور التشهي ، ونزعات الهوى ، وحظوظ النفس في تصنيف أهل العلم وطلابه ، فترى البعض بلا ضابط ولا زمام يحكم على شخص بأنه من الأصاغر وعلى آخر بأنه من الأكابر ، وربما تجد من حكم عليه بأنه من الأصاغر أغزر علما ، وأعمق فهما ، وأكثر خبرة ، وأعرف بالمصالح والمقاصد ، وتجد من حكم عليه بأنه من الأكابر يفتقد هذه الأمور !! " ما لكم كيف تحكمون " ، وهذه من مداخل الشيطان وتلبيساته على الأغمار ، وكم من طالب أو طالبة للعلم ركبوا هذه الموجة ، وصنفوا المشايخ ضمن الأصاغر ، واعتزلوا حلق العلم ومجالس السنة ، حتى انتكس بعضهم وفتر الآخر ، أيها الإخوة والأخوات احذروا من الحماسات والعواطف والطيش ؛ ولا تخوضوا فيما لا تحسنونه ، وأشغلوا أنفسكم بالعلم النافع والعمل الصالح ، والزموا غرز العلماء واسألوهم.

هذا ما أردت بيانه على وجه الاختصار ، سائلا المولى أن يبصر الشباب بأبواب الاعتدال ، وأن يرزقهم الحكمة في الأقوال والأفعال.

كتبه الدكتور / صالح عبدالكريم في يوم السبت ١٠ / ٥ / ٢٠١٤م.
التعليقات

التعليقات :

نص التعليق
نص التعليق يجب ان يكون اكبر من 30 حرف
Powered By Islamnt 3.0.0