القائمة الرئيسيه
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
احصائيات
عدد الاقسام : 42
عدد المواد : 1313
عدد الاعضاء : 74
الاستطلاع
انعقاد الولاية بين المحققين والثوريين


انعقاد الولاية بين المحققين والثوريين 


الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :

فلا يخفى على المسلم الأريب ، والعاقل اللبيب ، أن مسائل الإمامة والولاية قد حازت في شرعنا على الرعاية والعناية ، وجاء ذكر تضاعيفها من البداية إلى النهاية ، وقرر العلماء مفرداتها من الأحكام والغاية ، لأن بها تنتظم مصالح العامة والخاصة ، ويقوم الدين في ظل الجماعة ، ولذلك قرر السلف : أنه لا دين إلا بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمامة ، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.


ولم تكن هذه المسائل العظام ، والقضايا الجسام ، لتترك لاجتهادات الطغام ، والعواطف والأوهام ، وحماسات غمر الأفهام !!


ولكن – وللأسف الشديد – نجد في هذه الأيام الملتهبة ، والفتن المدلهمة ، من يقرر تقريرات باطلة ، وينشر أفكارا صائلة ، بعدما أدمن الفكر الثوري ، وتعلق بالسراب السلطوي ، ولكنه لم يظفر من التحقيق بقلامة ظفر ، ولم يحز من التأصيل بطائف نصر .

وما عزمت على بيانه ، وطرحه وإيضاحه ، دون الخوض في فروع غماره ، مسألة طرق نصب الحاكم وانعقاد الولاية ، وفق ما قرره أهل التحقيق ، على ركن وثيق ، من الدليل والفهم العميق ، وخاصة بعدما ند فيها دعاة الحزبية ، وأرباب التوجهات الحركية ، لا سيما في مسألتي : ولاية العهد ، والتغلب والقهر .


إن انعقاد الولاية ونصب الخليفة يكون بإحدى الطرق الثلاثة :


الأول : البيعة والاختيار من أهل الحل والعقد ؛ وهم الذين يتمتعون بسداد الرأي ، وعلو الشأن ، والعلم ، وبيعتهم بيعة عن بقية الناس ، يقول الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار 4 / 511 : " وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة ، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين ، فإن هذا الاشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين : أولهم وآخرهم ، سابقهم ولاحقهم " ؛ حتى لا يقول قائل إني لم أبايع بنفسي ؛ فقد كفاك أهل الحل والعقد ، ولزمك ما لزمهم وسائر المسلمين ، وقد بويع أبوبكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة بهذه الطريقة ، ومثله عثمان رضي الله عنه فقد بويع باختيار النفر الذين سماهم عمر رضي الله عنه وصنيعهم ساطع البرهان ، وأصل البيان ، لمن أراد التبيان.


الثاني : ثبوت البيعة بتعيين ولي العهد ، أي أن يعهد الحاكم لأحد بعده ، يراه مناسبا ؛ فيخلف من بعده ، كمثل ما وقع من عهد أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه ، ولم ينكر ذلك الصحابة رضي الله عنهم ، وقبل ذلك ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلب كتابا يكتب فيه بالعهد لأبي بكر رضي الله عنه ، وبهذا يتقرر هذا الطريق بالنص والإجماع ، ويذوب قول ن أدعى الإحداث وعدم الإتباع ، وعلى جواز هذه الطريقة اتفقت الأمة ؛ قال الخطابي رحمه الله في معالم السنن 3 / 351 : " فالاستخلاف سنة اتفق عليها الملأ من الصحابة ، وهو اتفاق الأمة لم يخالف فيه إلا الخوارج والمارقة الذين شقوا العصا وخلعوا ربقة الطاعة " !!


ولقد أقبل أهل الباطل في زماننا بخيلهم ورجلهم على إنكار هذه الطريقة في تنصيب الخليفة ، وكتبوا في ذلك المصنفات الثورية ، وتكلموا في محاضراتهم الحماسية ، مخالفين التقريرات الإجماعية ، بل أدى بهم للطعن في خال المؤمنين معاوية رضي الله عنه ، لأن هذه الطريقة كانت واضحة في زمانه ، لما عهد إلى ابنه يزيد ، وخلاصة ما يريدون الوصول إليه أن أغلب الولايات الموجودة اليوم غير شرعية ، لأنها انعقدت بولاية العهد ، مما يجوز عزلهم ، أو الخروج عليهم !!


الثالث : ثبوت البيعة بالقوة والغلبة والقهر ، إذا غلب على الناس حاكم بالقوة والسيف حتى أذعنوا له ، واستقر له الأمر في الحكم ، وتم له التمكين ، صار المتغلب إماما للمسلمين ؛ وإن لم يستجمع شروط الإمامة ، ويشير إليه حديث : " وإن تأمر عليكم عبد حبشي " ، فالتأمر قرينة التغلب ، وإن كان المتغلب خارجا على حاكم سابق فهو مستحق للأثم ، واقع في المنكر ، ولكن النتيجة تبقى صحيحة في ثبوت الولاية له ، وإن كانت الوسيلة باطلة ، وحصل الاتفاق على هذه الطريق أيضا ؛ قال ابن قدامة رحمه الله في المغني 9 / 5 : " ولو خرج رجل عَلَى الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتَّى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه صار إماما يحرم قتاله ، والخروج عليه ".


ثم يضاف إلى هذا ما يقع من التنصيب عن طريق بعض النظم العصرية المستوردة ، بغض النظر عن حكمها ، فأنه يثبت بها الولاية ، وتلحق بالتغلب تبعا ، إن استقر له الحكم وتمكن منه.


وبهذا يتضح أن من ثبتت ولايته بإحدى هذه الطرق الثلاث ، فقد وجبت طاعته ، ويحرم الخروج عليه ، أو الثورة ، يقول الإمام أحمد رحمه الله في تحقيق بديع كما في المسائل والرسائل 2 / 5 : " ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة ؛ فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين ، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مات هذا الخارج مات ميتة جاهلية ، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق ".


والعجيب هذه الأيام ما نراه من الازدواجية عند دعاة الحزبية ؛ من تسييس الشريعة ، وتجزئة الأحكام ، فتراه يقرر النصوص والأقوال إذا كانت لصالحه ، ويردها جملة وتفصيلا إذا كانت ضده.


ولو وقف الغوغاء على ما قرره الفقهاء ، وسطره العلماء ، في سائر الأعصار ، ومختلف الأمصار ، في هذا الباب لما وقعت هذه الويلات التي يكتوي بنارها الصغير والكبير في بلاد المسلمين ، عجل الله بأمنها واستقرارها وسكينتها.


كتبه / الدكتور صالح عبدالكريم

 

التعليقات

التعليقات :

نص التعليق
نص التعليق يجب ان يكون اكبر من 30 حرف
شكرا دكتور على التوضيح يعطيك العافية

Powered By Islamnt 3.0.0