القائمة الرئيسيه
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
احصائيات
عدد الاقسام : 42
عدد المواد : 1313
عدد الاعضاء : 74
الاستطلاع
وما يعقلها إلا العالمون


" وما يعقلها إلا العالمون "


من خصائص الشريعة الإسلامية أنها تمتاز بالصلاحية لكل عصر وزمان ، وكل بقعة ومكان ، مع ثبات أصول الحجة والبرهان ، ولقد شرف الله العلماء بمعرفة هذه الحجج ومعانيها ، وبيان تفسيرها ومبانيها ؛ انطلاقا من رسوخهم في مقاصد الشريعة ، وتمكنهم من الآت الفهم والاستدلال ، وإدراكهم لمرامي التنزيل ، و خبرتهم بأصول التكييف ، لا كما يقوله بعض الأغمار : إن شروحاتهم وقتية ، وكتبهم جامدة صفراء لا توافق التطورات العصرية !!


يا ناطحا جبلا يوما ليوهنه   أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل


فمن تأمل دقة التفريعات العلمية ، والاستدلالات التأصيلية ، والتكييفات المقاصدية ؛ أدرك عظمة هذه الكتب ،ولكن من عاش على براثن كتب الغرب ، وهزيل ثقافتهم أنى له أن يدرك هذا الأمر !!


ولعلي أضرب مثالا واحدا يجلي الفرق بين نظر العلماء مع قصور فهم الدهماء ، فقد جاء في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " ؛ ففهم بعض الأغمار ممن فقد الآت العلم ، وخاض في غير فنه وادعى الفهم ، أن المراد من النص وقوع إبراهيم في الشك ، واستخدامه للشك للوصول إلى الحقيقة !!


ولكن من نظر تقريرات العلماء وتحبيراتهم حول هذا الحديث يرى إطباقهم من سائر الأمصار ، وفي سائر الأعصار ، أن المقصد من الحديث عكس ما فهمه الأغمار ، فالمراد منه نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام ، فكأنه يقول : إن إبراهيم لم يشك ، ولو كان الشك متطرقا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه ، فإذا كنا نحن لا نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم من باب أولى ألا يشك .


قال الخطابي :" مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس وليس في قوله : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم ، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما " .

وقال السيوطي :" وإنما خص إبراهيم لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال الشك " !!


وهذا ما قرره غير واحد من العلماء كالطحاوي من الحنفية والقاضي عياض من المالكية والنووي من الشافعية وابن الجوزي من الحنابلة وغيرهم كثير .


وتجد هذا التقريرعند ذكر آيات رؤية الكواكب حيث قرر أهل التفسير أن إبراهيم عليه السلام كان  مناظرا لا ناظرا  ، والفرق بيّن لذوي العرفان ، وسياق الآيات وسباقها يدل على هذا التفسير ؛ فقد جاءت بعد إنكاره على أبيه وقومه ، وضمنت بقوله" وحاجه قومه " ، وختمت بقوله " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" !!


وما أجمل ما سطره ابن كثير في تفسيره بقوله : " فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله" أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين " ناظرا في هذا المقام ؟


بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولاريب ؛ ومما يؤيد أنه كان في المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى : " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ..." .


لله در العلماء المحققين الراسخين ، كلامهم ينساب بلسما شافيا على الفطر السليمة ، وفعلا "لا يعقلها إلا العالمون " .


كتبه / د. صالح عبدالكريم

التعليقات

التعليقات :

نص التعليق
نص التعليق يجب ان يكون اكبر من 30 حرف
Powered By Islamnt 3.0.0