القائمة الرئيسيه
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
احصائيات
عدد الاقسام : 42
عدد المواد : 1358
عدد الاعضاء : 74
الاستطلاع
مقامة العالم المظلوم !!


مقامة العالم المظلوم !!


في فيحاء الشام العاطرة ، وفي ربوع الكنانة العامرة ؛ تروي لنا كتب السير والمغازي ، قصة عميقة المعاني ، ملؤها العبر ،وسبكها الدرر .


فبعد منتصف الحقب السادس أشرقت جونة الشام ،بمولد جلم من الأعلام ، بدأ يشق طريقه في العلوم ، وقد حباه الله خلاصة الفهوم ،نبغ في عصر قد امتلأ بالخرافات ، وتحريف الصفات ، والتبرك بالأموات ، وسب الصحب الثقات ، فأيقن أن تصحيح العقيدة آنذاك من أعظم الواجبات ، وأخذته الغيرة على دين رب البريات ؛ فحفظ السنة والقرآن ، وتسلح بالحجة والبرهان ، وبلغ ذرى العرفان .

شخصية قد حباها الله بالصفات الرفيعة ، والسمات الكريمة ، فقد أسر القلوب بشمائله ، و ولج النفوس بفرائده ، فكان رمزا في العبادة، ونجما في الزهادة ، آتاه الله الذكاء والمهارة ، وقوة الحجة والعبارة .


اختار لنفسه طريق نشر العلوم المهمة ، وهو يعلم كم هذا الطريق محفوف بالمخاطر المدلهمة ، فبدأ بنشر السنة والتوحيد ، وقمع البدعة والتنديد ، وحينها أدرك أهل الباطل أنه العرباض الداهم ، والطيسل الهادم ، فخافوا من أفول باطلهم ، وسقوط آرائهم ، فطلبوا المناظرة ، وتوهموا المناضلة ، ولما سمعوا تقريراته ، وتأملوا تحريراته ، تيقنوا أنهم لا قبل لهم تجاه هذا النحرير ، ومايتمتع به من الحجة والتحرير ، وازداد خوفهم ، " فخر عليهم السقف من فوقهم ".


فأخذوا كعادة أهل الباطل بتهمته ، وتشويه صورته، واستعدوا الحاكم على طريقته ، وتجمع رؤوس المبتدعة ، على رأسهم غلاة المتصوفة ،يتصدرهم نصر المنبجي ، ويمثلهم علي البكري ، ولا زالوا بالحاكم مهيجين ، ولمشاعره مدغدغين ، حتى سجن العالم المجاهد ، ودخل الحبس وهو يكابد ، ولكن ذلك لم يهن عزيمته ، ولم يلن عريكته ، فبدأ دروسه في السجن ، ولم يعبأ بالمحن ، حتى تأثر به السجناء ، والتف حوله الضعفاء ، فأخرجوه ونفوه ، وهاجموه وطردوه .


بعد خروجه انطلق انطلاقة من لا يستكين ، ولايرضخ ولا يلين ، فسطر المدونات ، وحبر المصنفات ، في تفنيد شبهتهم ، وكسر شوكتهم ؛حتى زادت عداوة أهل الباطل لدعوته ، وتآمروا لعداوته ، فجمع البكري زمرته ، وهجمواعلى الشيخ وضربوه وقطعوا قلنسوته ، وهو متصف بالصبر الجميل ، يردد حسبنا الله ونعم الوكيل .


وطلبوا مرة أخرى من الحاكم سجنه ، بل طالب البكري بقتله ، من شدة غيظه ، وفاحش حقده ، فحبس مرة أخرى ، وهو يزداد في طريق الأخرى ، وهم بين ذلك يسبونه ويتهمونه ، وينتقصونه ويكفرونه .


ويشاء الله أن تتغير معالم الدولة ، وتنقلب الجولة ، وتأتي للعالم المظلوم الصولة ؛ فيدعوه الحاكم الجديد ؛ لينتقم من الحزب التليد ، ويستفتيه للضرب بالحديد ، فتظهر معاني النفوس الطاهرة ، ومعالم علماء الآخرة ، فيقول هذا العالم : ما انتصر لنفسي !! فالتسامح نهجي ، رغم ما حاكوه له من المحن ، امتثل قوله : " ادفع بالتي هي أحسن " ؛ يطلب منه الحاكم فتوى في سفك دمائهم ، 

فيجيب : من لك بعد ذهابهم !!


ويحكم الحاكم على البكري بالقتل والحبس ، فيخفيه العالم المظلوم في بيته ويحفظ عليه النفس ، ويشفع عند الحاكم لمن عاداه ، ليرفع عنه الحكم رغم ما جناه .


ويستمر العالم الورع في الدماء ، المحارب للأهواء ، في نشر السنة الغراء ، وتستمر مشاهد العداوات ، ويسجن المرة تلو المرات، حتى يأتيه الموت وهو في الخلوات ، يناجي رب البريات ، ويختم حياته عند آيات الجنات ؛ " إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر " !!

رحل عن العالم بعد أن سطر دروس التسامح والوسطية، وخلد الموسوعات العلمية ، فلله درك يا ابن تيمية !!

 

إتحاف الفهوم بفوائد مقامة العالم المظلوم :


أولا : علماء الآخرة يضحون في نشر دينهم ،ويبذلون مهجهم ، رغم تكالب الأعداء ، وتربص أهل الأهواء .


ثانيا : علماء الآخرة لا ينتقمون لأنفسهم ، ولايتعصبون لذواتهم ، ولا ينقمون لحظهم .


ثالثا : علماء السوء حينما يضعفون عن مقارعة الحجة يستخدمون الكذب والاستعداء ، ويستعينون بالسلطة والشرطة ، ويزورون التهمة .


رابعا : علماء السوء إذا وصلوا إلى ولاة الأمر فإنهم للباطل ينشرون ، وللحق وأهله يكيدون ويعادون .


خامسا : علماء السوء يكيلون التهم الباطلة ،ويستخدمون الأحكام الجائرة ، وما أشبه اليوم بالبارحة ، فبالأمس علي البكري ، واليوم من كان على نهجه الصوفي ، يتهمون ابن تيمية بالعدائية ، والفتاوى الدموية ، ما أقبح الحزبية ، والمسالك الردية .

 

كتبه الدكتور / صالح عبدالكريم

التعليقات

التعليقات :

نص التعليق
نص التعليق يجب ان يكون اكبر من 30 حرف
والله اشكرك على هذا الطرح الطيب واسأل الله ان ينفع بك الامه

زائر1415 2017/06/09
جزاك الله خيرا شيخنا

Powered By Islamnt 3.0.0